تعيد التحولات المتسارعة في منطقة شمال شرق إفريقيا تشكيل الترتيبات الجيوسياسية التي فرضت نفسها منذ عام 1991 على القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، وفقًا لما يطرحه الباحث المستقل في العلاقات بين القرن الإفريقي والخليج، نوري ياسين، في مقاله المنشور بموقع «هورن ريفيو». ويرى الكاتب أن صمود إثيوبيا الحضاري والثقافي والوطني يعيد رسم الخريطة الجيواقتصادية الإقليمية، ويربط حوض النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر ضمن مسرح استراتيجي واحد.
وفي التحليل الذي نشره موقع «هورن ريفيو»، يناقش ياسين تداعيات التحالف الأمني الذي تشكّل في مدينة العلمين المصرية خلال أكتوبر 2026، ويضم مصر وإريتريا والسودان والصومال. ويحذر الكاتب من أن هذا التكتل قد يعمّق الانقسام الإقليمي ويستبعد إثيوبيا من ترتيبات الأمن وإدارة البحر الأحمر، داعيًا إلى بناء منظومة إقليمية أكثر شمولًا تقوم على الحوار والتعاون بدلًا من التنافس الصفري وسياسات التكتلات.
سد النهضة وإطلالة إثيوبيا البحرية يعيدان رسم موازين القوى
يرى ياسين أن تشغيل سد النهضة الإثيوبي يعيد صياغة المعادلات الجيوسياسية لحوض النيل على أساس يصفه بالعقلانية والإنصاف، كما يدفع دول المنطقة إلى التفكير في استغلال مياه النهر لتحقيق التنمية والازدهار. ويشير إلى أن جنوب السودان، الذي يراقب هذه التحولات، يعتزم إنشاء سد فولَا لتوفير الطاقة اللازمة لاقتصاده وتعزيز أمنه المائي.
وفي الوقت نفسه، تواصل إثيوبيا السعي إلى ضمان منفذ مستدام إلى البحر، بعدما أثارت تساؤلات بشأن شرعية القرارات السابقة التي حرمتها من الوصول إليه. ويقول الكاتب إن القيادة الإثيوبية الحالية تسعى إلى معالجة ما تصفه بالظلم الذي وقع عام 1991، حين أصبحت البلاد حبيسة اليابسة، ويحمّل الكاتب مسؤولية ذلك لقرارات اتخذها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة المصري بطرس بطرس غالي، بالتعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في إثيوبيا والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في إريتريا.
ويضيف أن التحولات الاستراتيجية في المنطقة تقوّض الرؤية المصرية القائمة على منظومة أمنية تمنح الأمن القومي المصري أولوية مطلقة. ويستشهد بتعليق نشره وزير الخارجية المصري في موقع «نيوز 24» عام 2025، أكد فيه استخدام مصر أدواتها الدبلوماسية والدفاعية لاستعادة نفوذها في محورين يعدّهما من أهم مرتكزات أمنها القومي، هما حوض النيل والبحر الأحمر.
وفي أكتوبر 2026، تجسدت هذه السياسة، بحسب الكاتب، في تشكيل تجمع أمني رباعي في العلمين يضم إريتريا، ممثلة بالجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، والسودان، ممثلًا بالقوات المسلحة السودانية، والصومال بقيادة حسن شيخ محمود، إلى جانب مصر. ويرى ياسين أن التكتل يسعى إلى إعادة تشكيل الترتيبات المتعلقة بحوض النيل والبحر الأحمر من دون مشاركة إثيوبيا، وأن القاهرة تقود هذا المسار وتعمل على توجيه سياسات الدول المشاركة بما يخدم رؤيتها الإقليمية.
ولا تكمن أهمية هذا التشكيل، وفقًا للكاتب، في عدد الدول المشاركة فحسب، بل أيضًا في انعكاسات التنسيق العسكري والاستخباراتي الناشئ بينها على منظومة الأمن الإقليمي. ويشير إلى أن التحالف يتعامل مع إثيوبيا باعتبارها تحديًا بنيويًا لنفوذه وللمكانة التي تسعى مصر إلى ترسيخها في المنطقة.
تحالف العلمين وحرب النفوذ.. اتهامات بمحاصرة إثيوبيا
يقول ياسين إن التحالف الأمني الناشئ يدعم استراتيجية مصر تجاه إثيوبيا، التي يصفها بأنها تستغل الخلافات السياسية الداخلية وتعمل على تصدير عدم الاستقرار. ويعتبر أن إريتريا تؤدي دور حلقة الوصل في هذا المسار، الذي يرى أنه يهدف إلى تفكيك إثيوبيا وإغراقها في صراعات ممتدة، بما يتيح السيطرة على منابع النيل الأزرق وفصل أديس أبابا عن البحر الأحمر.
ويشير الكاتب إلى أن إثيوبيا تواجه هذه الاستراتيجية، وأن نجاحاتها العسكرية أربكت تحالف العلمين وفاجأت بعض المعلقين الدوليين. ويرى أن إثيوبيا لا يمكن التعامل معها باعتبارها تهديدًا ينبغي احتواؤه، بل باعتبارها ركيزة أساسية في نظام إقليمي يقوم على الأمن المشترك والانفتاح الاقتصادي.
ولا يقتصر التحالف، بحسب المقال، على الدعم العسكري والاستخباراتي، بل يمتد إلى مواجهة سياسية وفكرية تستهدف التأثير في الرأي العام الدولي. ويتهم ياسين مصر وإريتريا بتكثيف تحركاتهما الدبلوماسية لتقويض مصداقية إثيوبيا ونشر معلومات مضللة تضر بمصالحها.
ويقول إن السلطات الإريترية تصوّر إجراءات الدفاع الإثيوبية المدروسة باعتبارها محاولة للسيطرة على الموانئ الإريترية، وتحويل أسمرة إلى منطقة ساحلية تابعة لإثيوبيا، ومنح أديس أبابا دورًا مهيمنًا في إدارة البحر الأحمر. كما يرى أن المساعي الإثيوبية السلمية للوصول إلى البحر تُقدَّم دوليًا باعتبارها نزعة توسعية تستهدف السيطرة على الموانئ وتغيير الحدود في القرن الإفريقي.
ويصف الكاتب هذه الرواية بأنها محاولة للتغطية على ما يصفه بالتوغلات الإريترية ودعم تحالف العلمين جماعات مسلحة متمردة داخل إثيوبيا. ويضيف أن الحملة الدبلوماسية، إلى جانب استهداف سمعة إثيوبيا، تسعى إلى إبقائها دولة حبيسة وضعيفة ومحدودة النفوذ.
ويرى ياسين أن مصر تسعى إلى تعزيز موقعها في البحر الأحمر عبر الفصل بين الدول المطلة عليه والدول غير المطلة، بما يسمح بإعادة تشكيل جغرافية البحر وقواعد إدارته من دون إثيوبيا. ويشير إلى أن القاهرة تستخدم مزيجًا من التصورات الدبلوماسية وأدوات التأثير الاقتصادي والتنسيق الأمني والدعم العسكري لتحقيق هذا الهدف.
ويضيف أن شعار «البحر الأحمر للدول المطلة عليه»، الذي تعزز مع تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن عام 2020، يكرّس نهجًا إقليميًا مغلقًا ويمنح الدول الساحلية سلطة حصرية على تحديد قواعد التعامل مع قضايا البحر الأحمر وخليج عدن. ويحذر من أن هذا النهج التنافسي قد يؤدي إلى تداخل المبادرات الأمنية، وتصاعد الاستقطاب الدبلوماسي، وزيادة الغموض الذي يحيط بالتجارة والاستثمار في المنطقة.
من التنافس الصفري إلى الأمن المشترك.. دعوة لإعادة بناء النظام الإقليمي
ويعتبر ياسين أن الهدف الاستراتيجي النهائي لتحالف العلمين يتمثل في عرقلة استعادة إثيوبيا وصولها المشروع إلى سواحلها الطبيعية، بدعم من إريتريا وبعض القوى الإثيوبية، وبمساندة مصرية وتواطؤ دولي. ويرى أن هذا المسار يتجاهل الروابط التاريخية والجغرافية لإثيوبيا بالبحر الأحمر.
ويستشهد الكاتب بالأستاذ تيكولا هاجوس، الذي يلخص خطورة استمرار عزل إثيوبيا عن البحر بقوله: «ما دامت إثيوبيا حبيسة اليابسة، فإن استراتيجية القرن الإفريقي طويلة الأمد تعاني خللًا بالغًا». ويضيف أن استبعاد إثيوبيا من البحر الأحمر ومن ترتيبات إدارته يحوّل المنطقة الممتدة إلى خليج عدن والمرتبطة بصراعات الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس بين القوى البرية والقوى البحرية، حيث تسود حسابات المكسب والخسارة بدلًا من التعاون.
وينتقد ياسين اقتصار المجتمع الدولي على الدعوة إلى خفض التصعيد في التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، في وقت يواصل فيه النظام الإريتري، بحسب وصفه، تفضيل المواجهة على الحوار والاستفادة من بقاء إثيوبيا معزولة عن البحر. ويشير إلى أن هذا النهج أسهم في استمرار انعدام الأمن والتخلف، ونقلًا عن حسن عمر عبد الله، أفضى إلى «طلاق غير مكتمل واستحالة التعايش بين الجارين» الإثيوبي والإريتري.
ويدعو الكاتب الشركاء الدوليين ذوي النفوذ إلى عدم إغفال المشكلة الإريترية، التي يرى أنها تتغذى على طموحات مصر الهيمنية وتتفاقم بفعل التكتلات الأمنية المتنافسة، ومنها تحالف العلمين الرباعي، الذي يتهمه بالسعي إلى تطويق إثيوبيا ومنع صعودها الإقليمي.
ويخلص المقال إلى أن الترتيبات الأمنية لتحالف العلمين لا يمكنها تحقيق الاستقرار الإقليمي، لأنها تفتقر إلى الشفافية والشمول، ولأنها، وفقًا للكاتب، تستهدف احتواء التنمية الإثيوبية. كما أصبحت مصدرًا لانعدام الثقة، إذ ترى أديس أبابا أنها أداة لتقييد مصالحها الوطنية المشروعة.
ويحذر ياسين من أن انخراط الشركاء الدوليين في ترتيبات المنطقة من دون معالجة القواعد التي تحكم الخلافات في حوض النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر يغفل منطقًا أمنيًا يقوم على تفكيك الدول وإضعافها. ويرى أن هذا المنطق، الذي ينسبه إلى الرؤية المصرية، يهدف إلى حماية المصالح المائية والبحرية والاستراتيجية المصرية من تهديد وجودي مفترض مصدره إثيوبيا، لكنه يفاقم المخاطر الأمنية في حوض النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وفي ختام مقاله، يدعو الكاتب دول القرن الإفريقي إلى تجاوز نظام إقليمي رجعي يقوم على احتكار القرار والإقصاء، واستبداله بنموذج يعتمد الحوار والمشاركة المؤسسية. ويقول إن التعاون الإقليمي ينبغي ألا يتحول إلى أداة للإقصاء الاستراتيجي، بل إلى إطار مفتوح وشامل يتيح لدول المنطقة التشاور وصياغة ترتيبات مشتركة، على أساس أن الأمن مسؤولية جماعية والتنمية منفعة يتقاسمها الجميع.
ويؤكد أن تحقيق هذا التحول يتطلب إعادة التفكير في مفهوم الفاعلية السياسية وممارسة السلطة، وتوظيف الخبرات المحلية للتفاوض بصورة جماعية مع الجوار الأوسع، بما في ذلك شبه الجزيرة العربية والمجتمع الدولي. ويختتم بالتساؤل عما إذا كان القرن الإفريقي قادرًا على التفكير والتحرك بصورة مختلفة، ليصبح شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبله، في وقت يُعاد فيه تشكيل القواعد الدولية وسط تراجع النظام العالمي القائم.
https://hornreview.org/2026/10/21/the-el-alamein-quadrilateral-and-the-risks-of-geopolitical-polarization-in-the-north-east-africa/

